يحيي بن حمزة العلوي اليمني
150
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
عقل من عبده ، فكيف من هذه حاله في عدم الحياة والسمع والبصر من جملة الجمادات والأحجار التي لا حراك لها ولا حياة بها ، وأما ثانيا فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه والرفق به وسلوك جانب التواضع ، فلم يخاطب أباه بالجهل عما يدعوه إليه ، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق ، والاختصاص بالعلم الفائق ، ولكنه قال : معي لطائف من العلم وبعض منه ، وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية ، فاتبعني أنجك مما أنت فيه ، وقال له ، أهدك صراطا سويا ، ولم يقل أنجيك من ورطة الكفر وأنقذك من عماء الحيرة ، تأدبا منه ، واعتصاء عن مباداته بقبيح كفره ، وتسامحا عن ذكره ما يغيظه ، وأما ثالثا فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه ، فقال إن الشيطان الذي عصى ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم ، هو الذي أوقعك في هذه الحبائل ، وورطك في هذه الورط وألقاك في بحر الضلالة ، وإنما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان لله تعالى في مخالفته لأمره واستكباره ، ولم يذكر عداوته لآدم وحواء ، وما ذاك إلا من أجل إمعانه في نصيحته فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن مواقعته ، وأما رابعا فلأنه خوفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدي ، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له إكبارا له ، وإعظاما لحرمة الأبوة ، ولكنه أتى بما يشعر بالشك في ذلك تأدبا له فقال له : إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود يخاف منه ، كأنه قال وما يؤمنك إن بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه ، وأما خامسا فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة ، توسلا إليه بحنو الأبوة واستعطافا له برفق الرحمية ، ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد ، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد ، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه إليه ، أقبل عليه بفظاظة الكفر ، وجلافة الجهل ، وغلظ العناد ، فناداه باسمه ولم يقل يا بنى كما قال إبراهيم ، يا أبت ، إعراضا عن مقالته وإصرارا على ما هو فيه ، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله : أَ راغِبٌ أَنْتَ [ مريم : 45 ] اهتماما بالإنكار وتماديا في المبالغة في التعجب عن أن يكون من إبراهيم مثل هذا ، فانظر ما بين الخطابين من التفاوت في الرقة والرحمة وحسن الاستدراج ، فلله در الأنبياء ! فما أسجح خلائقهم ، وأرق شمائلهم ، وفي القرآن سعة من هذا ، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة ، خاصة لمنكري المعاد الأخروى ، وعبادي الأوثان والأصنام ، فإن الله تعالى نعى عليهم فعالهم ، وسجل عليهم ، فانظر إلى حجاجه